عندما طرحت فكرة انشاء محكمة دولية للنظر في النزاعات العالمية التي كانت في ذلك الوقت من بداية القرن التاسع عشر تعصف بأوربا، استهجنها الاوربيون بسبب التكاليف المادية الباهظة ورفضت جميع الدول ان تقام على ارضها.
غير ان هولندا هذا البلد الصغير الذي لم يكن له أي شأن يذكر في تاريخ اوربا في ذلك الوقت قرر ان تكون هذه المحكمة على ارضه وفي العاصمة تحديدا لكي يدخل التاريخ من اوسع ابوابه وكان لهذا البلد ما اراد.
في بداية الامر كانت محكمة العدل الدولية قصرا صغيرا للمؤتمرات بناه نيكولاس الثاني اخر قياصرة روسيا عام 1899 بتأثير من ايفان بلوك والكاتبة النمساوية الشهيرة واول امرأة تنال جائزة نوبل للسلام بيرثا فون سوتنر التي مرت الذكرى المئوية لحصولها على جائزة نوبل للسلام في بداية هذا العام.
وبما ان فكرة نيكولاس الثاني لم تتطور الى محكمة دولية فقد طرحت الفكرة من جديد ووجدت صداها لدى احد اكبر الاثرياء في العالم اندريو كارنكي ( 1839 – 1919 ) الامريكي من اصول اسكتلندية حيث ساهم في بناء المحكمة التي بلغت تكلفة بنائها مليون ونصف مليون دولار وهو مبلغ لا يستهان به حتى الان. وتكريما لهذا
نيكولاس الثاني لرجل فقد سميت احدى القاعات الكبيرة باسمه. لقد استغرق بناء المحكمة اربع سنوات من 1907 الى 1919.وتم افتتاحها يوم 28 اوغسطس على يد الملكة الهولندية فيلهلمينا.
بنى المحكمة المهندس لويس كوردونير على الطراز البيزنطي الذي يتميز بالاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والزخرفة والرموز البشرية والحيوانية والنوافذ ذات العقد والاقواس المنحوتة او المصبوبة في قوالب معدة لهذا الغرض. في مدخل البناية يوجد ممر طويل يقود الى ساحة كبيرة غالبا ما تكون مكانا للتظاهرات التي يقوم بها دعاة السلام ضد الجرائم الانسانية التي تحدث في العالم. وهناك نافورة مبنية على الطريقة الدنيماركية تتوسط الساحة. تحتوي محكمة العدل الدولية على عدد كبير من البنايات تختص كل بناية بأداء دور معين. فهناك مكتبات وقاعات للاجتماعات واخرى للمؤتمرات وثالثة للمحاكمات، كما توجد ايضا قاعات لتقديم الدروس الخاصة لتدريب الاساتذة والقضاة والمحامين لتأهيلهم وغالبا ما يكونون من بلدان العالم التي تتعرض فيها حقوق الانسان الى انتهاكات خطيرة او البلدان التي تسعى الى ان تكون دولا ديمقراطية.
اما المكتبات فتوجد اثنتان منها مكتبة خاصة بتاريخ حقوق الانسان واخرى تختص بالحق العام. وتحتوي كل مكتبة على عدد كبير من الوثائق والمؤلفات المهمة والكثير من المراجع التي تدرس تاريخ حقوق الانسان والقضايا الخاصة بكل بلد منذ تأسيس المحكمة وحتى الان. كما توجد اكاديمية خاصة لتدريس الحق العام تقدم دروسها في الصيف فقط. واثناء الحرب العالمية الثانية عندما احتلت المانيا النازية المملكة الهولندية حاولت القوات الغازية الاستيلاء على المحكمة وبنايتها الا ان الرأي العام العالمي حال دون ذلك وحافظت المحكمة على تراثها.
رسميا فأن محكمة العدل الدولية هي الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة. وقد بدأت المحكمة عملها عام 1946 عندما حلت محل محكمة العدل الدولية الدائمة التي كانت تشغل المقر نفسه منذ العام 1922. وتعمل المحكمة وفق نظام أساسي يشبه إلى حد كبير نظام سابقتها الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة. وقد شغلت وزارة العدل الهولندية هذا القصر في فترة ما.
اما وظائفها فأن المحكمة تلعب دورا ثنائيا، فهي بموجب القانون الدولي تقوم بحسم الخلافات القانونية المقدمة من الدول الأعضاء، كما تقدم آراء استشارية في المسائل القانونية المحالة إليها من قبل هيئات ووكالات دولية معترف بها دوليا وعالميا.
تتألف المحكمة من 15 قاضيا تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بشكل صارم لولاية من تسع سنوات ويمتاز كل قاض بسجل خال من أي مثلبة مهما كانت صغيرة. وتجرى انتخابات كل ثلاث سنوات على ثلث المقاعد، ويجوز إعادة ترشيح القضاة المتقاعدين. ولا يمثل أعضاء المحكمة حكوماتهم ولكنهم قضاة مستقلون لا يدخل في قراراتهم أي حساب غير القانون.
يتعين على القضاة أن تكون لديهم المؤهلات المطلوبة لشغل أعلى المناصب القضائية في بلادهم، أو أن يكونوا رجال قانون ذوي كفاءة عالية في القانون الدولي. ويجب أن تعكس تشكيلة المحكمة تمثيل الحضارات الرئيسية والأنظمة القانونية الأساسية في العالم لكي تكون لها مصداقية.
وإذا لم تتضمن المحكمة قاضيا يحمل جنسية دولة ما طرفا في قضية ما، فإنه يجوز لتلك الدولة تعيين شخص يقوم مقام القاضي لهذا الغرض بالذات.
تفتح المحكمة ابوابها للزوار كل يوم سبت واحد حيث يزورها الكثير من السائحين من مختلف بلدان العالم. وتسمح لدعاة السلام وحقوق الانسان في التظاهر في ساحتها الرئيسية الكبيرة ضد الجرائم الانسانية التي تقترف في كل بقاع الارض شريطة الحصول على موافقة من المحكمة.